ابو القاسم عبد الكريم القشيري
254
لطائف الإشارات
فوق ما تؤمّلون « 1 » ، وأعطيناكم أكثر مما ترجون « 2 » ، قال تعالى : « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » . وقرأ بعض القراء « 3 » : « مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ » فينوّن قوله : كل ، ويجعل ما سألتموه ( ما ) للنفي أي كل شئ مما لم تسألوه . كذلك جاز أن يكون المعنى ، قل يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني - وهذا لأرباب الطاعات ، وغفرت لكم قبل أن تستغفرونى - وهذا لأصحاب الزلات . علم قصور لسان العاصي وما يمنعه من الخجل وما يقبض على لسانه إذا تذكّر ما عمله من الزلّات ، فأعطاه غفرانه ، وكفاه حشمة السؤال ، والتفضل ؛ فقال : غفرت لكم قبل أن تستغفرونى . ولكن متى يخطر على قلب العبد ما أهّله الحق - سبحانه - من العرفان ؟ وكيف يكون ذلك الحديث ؟ . . قبل أن كان له إمكان ، أو معرفة وإحسان ، أو طاعة أو عصيان ، أو عبادة وعرفان ، أو كان له أعضاء وأركان ، أو كان العبد شيخا أو عينا أو أثرا . . لا بل : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكّنا قوله جل ذكره : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ كيف يكون شكركم كفاء نعمه . . ؟ وشكركم نزر يسير ، وإنعامه وافر غزير . وكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام ؟ إنّ نعمه علومكم عن تفصيلها متقاصرة ، وفهومكم عن تحصيلها متأخّرة .
--> ( 1 ) وردت ( تؤمنون ) وهي - كما هو واضح - لا يستقيم بها السياق فآثرنا تؤملون . ( 2 ) وردت ( ترجعون ) وهي - كما هو واضح - لا يستقيم بها السياق فآثرنا ترجون . ( 3 ) لا يهتم القشيري بالقراءات إلا نادوا ، وحيثما وجد في ذلك مجالا لإشارة نافعة للصوفية